جلال الدين الرومي

107

فيه ما فيه

علىّ حق الضيافة ومالقيته منكم من إكرام فقد آثرتم شفقتى فاحفظى ما أقوله لك : إن بغداد قريبة إليكم والكوفة وواسط وغيرهما ويمكنكم ولو أعجزكم المرض أن تصلوا إلى إحدى هذه المدن حبوا أو زحفا ففيها من الماء العذب السائغ البارد الكثير ، وأخذ يحصى الأطعمة المتنوعة والحمامات والنعم والأطايب واللذائذ بهذه المدن . وبعد هنيهة قدم زوجها البدوي ببضعة من الفئران الجبلية التي صادها وأمر زوجته بأن تطبخها وتعطى شيئا منها للضيف . فتناول الضيف منها شيئا مكرها يتجرعه لا يكاد يسيغه ، وبعد أن نام الضيف خارج الخيمة في منتصف الليل قالت المرأة لزوجها ألم تسمع بما قاله ووصفه هذه الضيف ؟ وحكت ما قاله الضيف لزوجها . فقال البدوي احذرى يا امرأة أن تصدقى كلامه ؛ لأن الحساد كثيرون في هذه الدنيا ؛ فإذا رأوا غيرهم قد بلغ السعادة والمجد حسدوه وأرادوا أن يزيلوه عن نعمائه ويحرموه مجده . ومثل هذا ترى الناس إذا نصحهم أحد شفقا بهم فسروا نصحه حسدا منه لهم إلا من كان فيه أصل منهم فإنه يلتفت إلى المعنى في النهاية ، ولأنه تقطرت من يوم ( ألست بربكم ) على قلبه قطرة فإن هذه القطرة في العاقبة تنجيه من القلاقل والمحن ، وقائلة هلم إلينا إلى متى أنت في قلاقل وجنون وبعد عناء واغتراب إلا هؤلاء الناس الذين إن تحدث معهم أحد بكلام نكروه ؛ لأنهم لم يسمعوا بنظيره من أحد ولا من شيخ لهم : بما أنه لم يكن في أصله عظمة * فعجز عن سماع ذكر العظماء إن الالتفات إلى المعنى برغم أنه لا يبدو في البداية مقبولا كثيرا ، فإنه يزيد عذوبة إذا سار إليه مبتغيه فيبدو لطيفا محبوبا خلاف صورته الأولى ، وكلما زدت معايشة لها زدت قربا إليه ، أين صورة القرآن وأين